الخميس، 9 فبراير 2012

مقدمة الكتاب (4): التنبؤ بالمستقبل


دوما النبوءات من الأشياء الخطرة، خاصة تلك التي تذهب لقرون أو آلاف السنوات من المستقبل. من مقولات الفيزيائي نيلز بور الأثيرة "التنبؤ شيء في منتهى الصعوبة، خاصة فيما يخص المستقبل"، لكن هناك اختلاف أساسي بين عصر جول فيرن والحاضر. فاليوم قوانين الفيزياء التأسيسية مفهومة بطريقة جوهرية. استنتاج الفيزيائيون اليوم المدهش للقوانين الأساسية يصل من ثلاثين إلى أربعين رقم بعد العلامة العشرية، بدءا من داخل البروتون ليصل إلى تمدد الكون. وكنتيجة لهذا يستطيع الفيزيائيون بثقة لها أسبابها أن يبينوا كيف ستبدوا الخطوط العريضة لتكنولوجيا المستقبل، وكذلك التفريق بدقة بين تكنولوجيات بعيدة الاحتمال فحسب وأخرى فعليا مستحيلة.   
لذلك ففي هذا الكتاب قمت  بتقسيم الأشياء "المستحيلة" إلى ثلاثة طبقات. الأولى هي ما أسميته مستحيلات الفئة الأولى. وهي التكنولوجيا المستحيلة اليوم ولكنها لا تناقض القوانين المعروفة لعلم الطبيعة. ولذلك فقد تكون ممكنة في هذا القرن، أو ربما القرن القادم، على الأكثر. وهي تتضمن الانتقال الآني ومحركات المادة المضادة وأشكال معينة من التخاطر عن بعد وكذلك التحريك عن بعد والاختفاء.
الطبقة الثانية هي ما اصطلحت على تسميته مستحيلات الفئة الثانية. وهي التكنولوجيا التي تقف عند أقصى حدود فهمنا للعالم الفيزيائي. إذا كانت تلط الطبقة ممكنة أساسا، فمن الممكن أن نحققها في مستقبل يمتد إلى آلاف أو ملايين السنوات. وهي تتضمن آلات الزمن والسفر عبر إختصار الفراغ hyperspace travel وأيضا السفر عبر الثقوب الدودية(*) wormholes. 
الطبقة الأخيرة هي ما أسميتها بمستحيلات الفئة الثانية. وهي التكنولوجيا التي تناقض القوانين الفيزيائية المعروفة. ومن المدهش أن التكنولوجيات المستحيلة قليلة جدا. وإذا تحولت ذات يوم إلى نطاق الإمكانية، فذلك يعني تحول جوهري في فهمنا لعلم الطبيعة.
أشعر بأن هذا التصنيف ذو مغزى وذلك لأن العلماء يصمون تكنولوجيات كثيرة ترد في الخيال العلمي بكونها مستحيلة كلية، في يحن أنهم يقصدون حقيقة أنها مستحيلة بالنسبة لحضارتنا البدائية. زيارات المخلوقات الفضائية على سبيل المثال تعد عادة مستحيلة لأن المسافة بين النجوم هائلة للغاية. بينما يعد الارتحال بين النجوم بالنسبة لحضارتنا واضح الاستحالة، فقد يكون ممكنا لحضارة تسبقنا بقرون أو آلاف أو ملايين السنوات. ولذلك فمن المهم ترتيب ذلك "الانعدام للإمكانيات".   
التكنولوجيا التي تعد مستحيلة بالنسبة لحضارتنا الحالية قد لا تكون بالضرورة مستحيلة لأنواع أخرى من الحضارات. فالإقرارات بما هو ممكن وما هو مستحيل يجب أن تأخذ في الإعتبار تلك التكنولوجيات التي تبعد عنا من آلاف إلى ملايين السنوات.
كتب كارل ساجان(*) ذات مرة "ماذا يعني لحضارة أن يكون عمرها مليون عام؟ نحن لدينا تليسكوبات الراديو وسفن الفضاء منذ عقود قليلة، وحضارتنا التقنية لا يتعدى عمرها بضع مئات من السنين .... نحن نقع في موقع القردة بالنسبة لحضارة عمرها ملايين السنوات"   
أركز في أبحاثي الخاصة على محاولة إكمال حلم آينشتين ب"نظرية لكل شيء". وبطريقة شخصية أجد أنه من الممتع العمل على "نظرية نهائية" والتي يمكنها أن تجيب جوهريا على أكثر الأسئلة صعوبة عن "المستحيل" في العلم اليوم، مثل ما إذا كان السفر عبر الزمن ممكنا، وما يوجد في مركز ثقب أسود، أو ماذا حدث قبل الانفجار العظيم(*). ما زلت أمارس أحلام اليقظة حول علاقة الحب مع المستحيل والتي دامت مدى الحياة، وتتملكني الدهشة من حياة يومية تألف تلك المستحيلات.        


الأربعاء، 8 فبراير 2012

مقدمة الكتاب (3): دراسة المستحيل


من سخرية القدر أن الدراسة الجادة للمستحيل قد فتحت للعلم مجالات غنية وغير متوقعة بالكلية. فعلى سبيل المثال، عبر قرون من البحث العقيم والمخيب للآمال عن "الآلة دائمة الحركة"(*) أدى بالفيزيائيين إلى إستنتاج إستحالة تصميم تلك الآلة، ولكنه أيضا قادهم إلى طرح مبدأ بقاء الطاقة والقوانين الثلاثة للديناميكا الحرارية(*). وبذلك ساعد البحث العقيم بهدف بناء الآلة دائمة الحركة على إكتشاف مجال جديد كلية وهو الديناميكا الحرارية، والتي ساهمت في جزء منها في تصنيع المحرك البخاري وبالتالي دخول عصر الآلات ومن ثم المجتمع الصناعي الحديث.       
قرر العلماء في نهايات القرن التاسع عشر أنه من "المستحيل" أن يكون عمر الآرض مليارات السنين. فقد أكد اللورد كلفن بوضوح أن الأرض المنصهرة سوف تستغرق من 20 إلى 40 مليون سنة حتى تصبح باردة، مناقضا للجيولوجيين وعلماء الأحياء الداروينيين الذين يدعون أن عمر الأرض قد يكون مليارات السنوات.     
تجاهلنا للمستحيل يعرضنا للخطر. ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين تعرض روبرت جودارد – مؤسس علم الصواريخ الحديث – لنقد عنيف ممن كانوا يعتقدون أن الصواريخ لا يمكنها الانتقال في الفضاء الخارجي. وبسخرية أطلقوا على مساعيه تلك حماقة جودارد. وفي عام 1921 هاجم محرري النيويورك تايمز عمل دكتور جودارد قائلين "الأستاذ جودارد لا يعرف العلاقة بين الفعل ورد الفعل، ولا الإحتياج لشيء أفضل من الفراغ كي يصنع معه رد فعل، يبدو أنه يفتقد إلى المعارف الأساسية التي تدرس يوميا في المدارس الثانوية". يؤكد المحررون أن صواريخ الفضاء مستحيلة لعدم وجود هواء تدفع المحركات ضده في الفضاء الخارجي. وللأسف فهم رئيس دولة – أدولف هتلر -  ما تنطوي عليه فكرة صواريخ جودارد "المستحيلة". وفي أثناء الحرب العالمية الثانية كان وابل نيران صواريخ جودارد "المستحيلة" تمطر الموت والدمار على لندن، وكادت بالفعل تجثو على ركبتيها أمامها.     
دراسة المستحيل قد تغير مسار تاريخ العالم أيضا، ففي خمسينيات القرن العشرين كان يعتقد على نطاق واسع بما في هؤلاء أينشتين نفسه أن القنبلة الذرية "مستحيلة الصنع". كان الفيزيائيون يعلمون بوجود كمية هائلة من الطاقة محتواة في عمق النواة الذرية، تبعا لمعادلة آينشتين (الطاقة = الكتلة × مربع سرعة الضوء)، ولكن الطاقة المحررة من نواة واحدة تعتبر ضئيلة الاعتبار. ولكن الفيزيائي الذري ليو زيلارد تذكر قراءته لرواية ه. ج. ويلز التي كتبها عام 1914 "تحرير العالم" وفيها يتنبأ ويلز بتطوير القنبلة الذرية.
في كتابه يقول ويلز أن فيزيائيا سيقوم بحل سر القنبلة الذرية عام 1933. وبالصدفة عثر زيلارد على ذلك الكتاب في عام 1932 وبإيعاز من تلك الرواية – في عام 1933 – وبالضبط كما تنبأ ويلز منذ عقدين من الزمان، وضع زيلارد فكرة تضخيم طاقة الذرة المفردة بواسطة التفاعل المتسلسل، بحيث يمكن تضخيم الطاقة المستخرجة من نواة ذرة يورانيوم واحدة بمقدار مليارات المرات. بدأ زيلارد بعدها بالفعل في سلسلة من التجارب الأساسية و مفاوضات سرية بين آينشتين والرئيس فرانكلين روزفلت أدت إلى إقامة مشروع مانهاتن الذي أنشأ القنبلة الذرية. 
مرة تلو أخرى نرى أن دراسة المستحيل قد فتحت آفاقا جديدة، تدحض ما يتصور أنه نهاية حدود الفيزياء والكيمياء وتضيف إليه تخوما جديدة وتجبر العلماء على إعادة تعريف ما يعنونه ب "المستحيل". كما قال سير ويليام أوسير ذات مرة " فلسفات عصر ما تصبح هراء العصر الذي يليه، وسخافات الأمس هي حكمة اليوم"   
كثير من الفيزيائيين يقرون بمقولة ت. ه. وايت المأثورة التي كتبها في رواية ملك قطبي الزمان(*) والتي يقول فيها "أي شيء غير ممنوع، حدوثه بالضرورة وجوبي!"، نجد الدليل طوال الوقت على ذلك في علم الطبيعة. لا يمنع حدوث ظاهرة فيزيائية جديدة إلا وجود قانون فيزيائي صريح ينفي إمكانية حدوثها. (وقد حدث هذا مرات عديدة في البحث عن جسيمات أولية(*) جديدة. بجس حدود المحظور، إكتشف الفيزيائيين قوانين فيزيائية جديدة غير متوقعة) وكنتيجة طبيعية لمقولة وايت قد يكون جيدا أن نقول " أي شيء غير مستحيل، حدوثه وجوبي بالضرورة".
 على سبيل المثال، حاول عالم الكونيات ستيفن هاوكينج أن يثبت استحالة السفر عبر الزمن، وذلك بالبحث عن قانون فيزيائي جديد يحظر ذلك، وهو ما أطلق عليه "حماية حدس التسلسل الزمني".
و لسوء حظه، كان غير قادر بعد سنوات كثيرة من العمل الشاق أن يثبت هذا المبدأ. وبالنقيض من ذلك، فإن الفيزيائيين الآن في الحقيقة قد تبينوا أن القانون الذي يمنع السفر عبر الزمن خارج نطاق إمكانيات الرياضيات المتاحة اليوم.  
  ولعدم وجود قانون فيزيائي يمنع وجود آلات الزمن اليوم، فعلى الفيزيائيين أن يتعاملوا مع تلك الإمكانية بجدية شديدة.
 الغرض من هذا الكتاب هو التمعن في التكنولوجيات التي نعتبرها اليوم "مستحيلة" والتي يمكن أن تصبح أشياء عادية ومألوفة خلال عقود أو قرون من الآن.
فعليا واحدة من التكنولوجيات "المستحيلة" ثبت إمكانيتها وهي الانتقال الآني(*) (على المستوى الذري على الأقل). حتى سنوات قليلة مضت كان الفيزيائيون يقولون أن إرسال جسم من نقطة إلى أخرى ( دون المرور بما بين هاتين النقطتين من فراغ مكاني )   يناقض قوانين الفيزياء الكمية. في الحقيقة كان الفيزيائيون يوجهون سهام النقد اللازع لكتاب مسلسل رحلة النجوم الذين حاولوا أن يدعموا فكرة الناقل الآني باختلاقهم لفكرة "معوضات هايزنبرج" لآلتهم والتي كانت وظيفتها تحديد مسار الأجسام التي يرسلونها. واليوم وكنتيجة لتقدمات مفاجئة فإن الفيزيائيون يستطيعون إرسال بعض الذرات آنيا عبر غرفة أو نقل فوتونات آنيا من أسفل نهر الدانوب.


الثلاثاء، 7 فبراير 2012

مقدمة (2):نسبية المستحيل


تعلمت كفيزيائي أن "المستحيل" مصطلح نسبي. أتذكر معلمتي عندما كنت طفلا تتجه إلى خريطة الأرض على الحائط لتشير إلى سواحل أمريكا الجنوبية وأفريقيا قائلة: "هل كان ذلك مجرد مصادفة شاذة؟ هل هي صدفة أن الساحلين يكمل كل منهما الآخر حد التطابق؟ تما مثل أجزاء البازل، واستطردت قائلة أن بعض العلماء يتوقعون أنهما كان يشكلان أرضا واحدة، قارة شاسعة. ولكنها استطردت أن حديثها يبدو أحمقا، مستطردة لا أتصور قوة يمكنها أن تدفع قارتين عملاقتين لتتباعدا عن بعضهما". واستنتجت أن فكرتها تلك مستحيلة.  
وفي وقت لاحق من ذلك العام درسنا الديناصورات. وأخبرتنا المعلمة "ألا يبدو هذا غريبا؟ الديناصورات تسود الأرض لملايين السنين، وفجأة ذات يوم تختفي تماما؟ لا أحد يعرف لماذا ماتوا جميعا. بعض علماء الحفريات يعتقدون أن نيزكا من الفضاء قتلهم جميعا، لكن هذا يبدو مستحيلا، ولا يبدو لي أكثر من مجرد خيال علمي.   
واليوم نحن نعلم أن القارات تتحرك عبر الصفائح التكتونية، أيضا نعلم أن نيزكا هائلا بمقياس ستة أميال محا الديناصورات ومعظم أشكال الحياة من على سطح الأرض منذ 65 مليون سنة. وفي حياتي القصيرة رأيت مرات عديدة  ما يبدو مستحيلا يتحول إلى حقيقة علمية مؤكدة. وهكذا أيبدو مستحيلا أن نفكر أننا قد نكون قادرين في يوم ما على نقل أنفسنا آنيا(*) من مكان لآخر؟، أو أن نبني سفنا فضائية ذات يوم تأخذنا إلى نجوم على بعد سنوات ضوئية؟  
بالطبع تلك الأعمال الفذة تعتبر مستحيلة في نظر فيزيائيي اليوم. ولكن هل تصبح ممكنة خلال القرون القليلة المقبلة؟ أو خلال عشرة آلاف سنة، عندما تصبح التكنولوجيا أكثر تقدما؟ أو خلال مليون سنة؟ دعونا نتناول الأمر بطريقة أخرى، إذا صادفنا بطريقة ما حضارة متقدمة عنا بملايين السنين، هل ستبدو التكنولوجيا الاعتيادية الخاصة بهم "سحر" بالنسبة لنا؟ هذا في جوهره واحد من أسئلتنا المركزية التي نتناولها عبر ذلك الكتاب، فقط لأن شيء ما "مستحيل" اليوم، فسوف يظل بناءا على هذا مستحيلا لقرون أو لملايين من السنوات في المستقبل؟     
نظرا لتقدم العلم الملحوظ في القرن الماضي، وعلى وجه الخصوص نشأة النظرية الكمية(*) والنسبية العامة(*)، باستطاعتنا الآن أن نخمن بطريقة تقريبية متى يمكن أن نحقق تلك التكنولوجيا الرائعة. خاصة مع ظهور نظريات أخرى متقدمة كنظرية الأوتار(*) ، وافتراضات أخرى تقف على مشارف الخيال العلمي يعيد الفيزيائيين تقييمها الآن كالسفر عبر الزمن والأكوان المتوازية(*). عد بذاكرتك إلى المائة وخمسين عاما الماضية وتلك التقدمات التكنولوجية التي ظن العلماء استحالتها في ذلك الوقت، وأصبحت الآن جزء من حياتنا اليومية.
كتب جول فيرن عام 1863 رواية بعنوان (باريس في القرن العشرين)، وفقدت تلك الرواية  ونسيت أيضا لأكثر من قرن حتى عثر عليها أحد أحفاده المتأخرين ونشرت لأول مرة سنة 1994. في تلك الرواية يتخيل فيرن ما ستبدو عليه باريس سنة 1960. كانت روايته تلك مليئة بالتكنولوجيا التي إعتبرها البشر مستحيلة في القرن التاسع عشر، كآلات الفاكس، شبكة إتصالات عالمية، ناطحات سحاب زجاجية، سيارات تسير بالوقود الغازي، وكذلك قطارات فائقة السرعة تسير على وسائد هوائية.   
لم يكن من المفاجيء نبوءات فيرن الدقيقة بدرجة مذهلة، لأنه كان منغمسا في عالم العلم، متجاوبا مع العقول العلمية من حوله. نشعر الآن بتقدير عظيم للمباديء العلمية التي مكنته من تحقيق تلك النبوءات المذهلة.
للأسف، فإن بعض أعظم علماء القرن التاسع عشر أخذوا إتجاها معاكسا وصنفوا بعضا من التكنولوجيات كمستحيلات ولا أمل فيها. اللورد كلفن على سبيل المثال الذي يعد أبرز فيزيائيي العصر الفيكتوري – دفن بجوار نيوتن في كنيسة ويستمينستر -  صنف فكرة الأجسام الطائرة الأثقل من الهواء كالطيارة مثلا فكرة مستحيلة. أيضا كان يعتقد أن أشعة إكس خدعة وأن أشعة الراديو لا مستقبل لها. اللورد رزرفورد أيضا الذي إكتشف نواة الذرة، نبذ إمكانية صنع القنبلة الذرية، ووصف ذلك باللغو.       
كيميائيي القرن التاسع عشر نبذوا البحث عن حجر الفلاسفة، تلك المادة الأسطورية التي تحول الرصاص إلى ذهب، واعلنوا موت تلك الأسطورة علميا. إعتمد كيميائيي القرن التاسع عشر في ذلك الحكم على مبدأ عدم قابلية العناصر للتغير، واليوم وبوجود المحطمات الذرية، نستطيع –نظريا – أن نحول ذرات الرصاص إلى ذهب. فكر كيف كانت ستبدو أفكار أجهزة التلفاز وأجهزة الكمبيوتر والإنترنت عند بداية القرن العشرين.
حتى وقت حديث كانت تعتبر الثقوب السوداء(*) بمثابة خيال علمي، في عام 1939 أينشتين نفسه كتب ورقة علمية "أثبتت" أن الثقوب السوداء لا يمكن أن تتكون. اليوم، تليسكوب هابل الفضائي وتلسكوب تشاندرا الذي يعمل باستخدام أشعة إكس كشفت عن آلاف الثقوب السوداء في الفضاء.  
السبب في أن تلك التكنولوجيا كانت تعد من "المستحيلات" في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أن القوانين الأساسية للفيزياء والعلم لم تكن معروفة حتى ذلك الحين. وبالأخذ في الاعتبار الفجوات الهائلة في فهم العلم في ذلك الوقت، وعلى وجه الخصوص على المستوى الذري، فلا عجب أن تلك التقدمات كانت بمثابة مستحيلات.

الاثنين، 6 فبراير 2012

مقدمة الكتاب (1)


فكرة لا تبدو في البداية منافية للعقل ، هي فكرة لا طائل من ورائها.
ألبرت أينشتين

هل من الممكن أن يأتي اليوم الذي نستطيع في السير عبر الحوائط؟، أن نبني سفن فضاء تنتقل بسرعة أعلى من سرعة الضوء؟، أن نقرأ ما يدور في عقول الآخرين؟، أن نحرك الأجسام بطاقة عقولنا؟، أن ننقل أجسادنا بطريقة لحظية عبر الفضاء؟
لأني كنت طفلا ذات يوم، فقد كنت مسحورا بتلك الأسئلة. وككثير من الفيزيائيين، عندما كنت أكبر كنت مفتونا بإمكانية السفر عبر الزمن وقاذفات الأشعة ومجالات الطاقة والأكوان المتوازية وما يشابهها.
 كان السحر والفانتازيا والخيال العلمي ملاعب عملاقة لتخيلاتي. بدأ معهم علاقتي الغرامية الطويلة مع المستحيل.
أتذكر مشاهدة حلقات "فلاش جوردون"(2) القديمة على التلفاز، كل سبت، كنت ألتصق بالكرسي أمام التلفاز متأملا لمغامرات دكتور زاركوف وديل آردين ومنظومتهم المبهرة من التكنولوجيا المستقبلية: السفن الصاروخية والمصدات الخفية ومسدسات الأشعة ومدن السماء. لم أفقد أسبوع منها أبدا. فتحت تلك الحلقات أمامي عالما جديدا تماما. كنت مغويا بفكرة وصولي إلى كوكب يقطنه كائنات عاقلة واستكشاف بقاعه العجيبة. وبانجذابي إلى مدار تلك الاختراعات الفانتازية علمت أن قدري قد إنحرف مع عجائب العلم التي تبشر بها الحلقات.
لم أكن وحيدا كما اتضح لي. فالعديد من العلماء البارعين جاء إهتمامهم بالعلم من الأساس عبر تعرضهم للخيال العلمي. الفلكي العظيم إدوين هابل كان مفتونا بأعمال جول فيرن. وكنتيجة لقراءة أعمال فيرن، هجر هابل مستقبلا واعدا في مجال المحاماة وخيب آمال والده، وبدأ العمل في مجال العلم. ليصبح في النهاية أعظم فلكيي القرن العشرين. الفلكي المعروف والكاتب ذائع الصيت كارل ساجان اشتعل خياله بقراءة أعمال إدجار رايس وشخصية جون كارتر في رواياته عن المريخ. ومثل جون كارتر، حلم كارل ساجان باليوم الذي يستكشف فيه رمال المريخ.
كنت طفلا في اليوم الذي مات فيه آينشتين، ولكني أتذكر أن الجميع كانوا يتحدثون عن حياته، وموته بنبرات بنبرات هادئة. وفي اليوم التالي رأيت صورة مكتبه في الجريدة، وعليه مخطوطات أعظم أعماله التي لم ينتهي منها. سألت نفسي عندها، ما هو هذا الشيء البالغ الأهمية الذي لم يستطع أن ينهيه أعظم علماء عصرنا؟ كان المقال يزعم أن آينشتين كان لديه حلما مستحيلا، مسألة في غاية الصعوبة، لدرجة يتعذر عندها على فان أن ينهيها. استغرق مني الأمر سنوات لأكتشف ما كان يتناوله هذا المخطوط:"النظرية الموحدة العظمى لكل شيء". كان هذا حلمه الذي إستهلك العقود الثلاثة الأخيرة من حياته والذي ساعدني على تركيز خيالي. فقد أردت –بدرجة ما- أن أكون جزءا من الجهد الذي سيكمل عمل آينشتين لتوحيد قوانين علم الطبيعة في نظرية واحدة.
وكلما كنت أنضج أكثر كنت أدرك أنه على الرغن من أن فلاش جوردون كان البطل الذي دوما ما يحظى بالفتاة،إلا أن العالم هو الذي يصنع حقيقة حلقات المسلسل. فبدون دكتور زاركوف لن يكون هناك صواريخ فضاء ولا رحلات إلى مونجو ولا إنقاذ للأرض. فإذا نحينا البطولات جانبا، بدون علم لا وجود للخيال العلمي. وأدركت أيضا أن هذه الحكايات في لغة العلم وبمنتهى البساطة مستحيلة،فهي فقط عبارة عن قفزات خيال، كان النضج يعني أن أنحي هذه الفانتازيا جانبا. في الحياة الواقعية، أخبروني أننا يجب أن نتخلى عن المستحيل ونحتضن الأشياء العملية. ومع ذلك فقد استنتجت أنني إذا كنت أرغب في مواصلة إفتتاني بالمستحيل، فمفتاحي يكمن في مملكة علم الطبيعة. فبدون خلفية عميقة في علم الطبيعة سأظل حائرا للأبد في تساؤلاتي عن التكنولوجيا المستقبلية دون قدرة على فهم إذا كان ذلك ممكنا أو لا. أدركت أنني أحتاج إلى غمس نفسي في الرياضيات المتقدمة وأن أتعلم الفيزياء النظرية، وكان هذا ما فعلته.
في المدرسة الثانوية قمت بتجميع معجل جسيمات في جراج المنزل وقدمته كمشروعي العلمي للتخرج. ذهبت إلى شركة وستنجهاوس(3) وقمت بتجميع أربعمائة باوند من المحولات الخردة المصنوعة من الصلب. وفي الكريسماس عكفت على لف 22 ميل من الأسلاك النحاسية على إتساع ملعب كرة قدم المدسة الثانوية.
في نهاية الأمر أنشأت معجل جسيمات بقدرة 2.3 مليون إلكترون فولت، والذي يستهلك طاقة تقدر بستة كيلووات (مقدار الطاقة التي يمكن إستخراجها من منزلي) ويولد مجال مغناطيسي يفوق المجال المغناطيسي للأرض ب 20000 ضعف. كان هدفي من ذلك هو توليد شعاع من أشعة جاما لديه القدرة الكافية لتخليق مادة مضادة(4).
أخذني مشروع التخرج هذا إلى المعرض العلمي الوطني وأنجز حلمي في نهاية الأمر بفوزي بمنحة للدراسة بجامعة هارفارد، ذلك المكان الذي يمكنني من متابعة هدفي في أن أصبح فيزيائيا وأن أتتبع خطى ملهمي، ألبرت آينشتين.
واليوم أستقبل الرسائل من كتاب الخيال العلمي وكتاب السيناريو، يسألونني مساعدتهم على شحذ حكاياتهم باستكشاف حدود قوانين الفيزياء.      

سوف أقدم تباعا من خلال هذه المدونة أول ترجمة عربية لكتاب

Physics of impossible

أو

فيزياء المستحيل

من تأليف ميشيو كاكو

الكتاب من أكثر الكتب مبيعا على قائمة أمازون منذ عام 2008 (سنة صدوره) وحتى الآن.